فخر الدين الرازي

202

تفسير الرازي

ضعيف لاحتمال أن يكون المراد : * ( ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا ) * فلا ينبغي أن يسرف الظالم في ذلك القتل ، لأن ذلك المقتول منصور بواسطة إثبات هذه السلطنة لوليه . والثاني : أن تلك السلطنة مجملة ثم صارت مفسرة بالآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى في سورة البقرة : * ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) * ( البقرة : 178 ) إلى قوله : * ( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ) * ( البقرة : 178 ) وقد بينا في تفسير هذه الآية أنها تدل على أن الواجب هو كون المكلف مخيراً بين القصاص وبين الدية . وأما الخبر فهو قوله عليه السلام يوم الفتح : " من قتل قتيلاً فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية " وعلى هذا الطريق فقوله : * ( فلا يسرف في القتل ) * معناه : أنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص إن شاء ، وسلطنة استيفاء الدية إن شاء . قال بعده : * ( فلا يسرف في القتل ) * معناه أن الأولى أن لا يقدم على استيفاء القتل وأن يكتفي بأخذ الدية أو يميل إلى العفو وبالجملة فلفظة " في " محمولة على الباء ، والمعنى : فلا يصير مسرفاً بسبب إقدامه على القتل ويصير معناه الترغيب في العفو والاكتفاء بالدية كما قال : * ( وأن تعفو أقرب للتقوى ) * ( البقرة : 237 ) . البحث الثاني : أن في قوله : * ( ومن قتل مظلوماً ) * ذكر كونه مظلوماً بصيغة التنكير ، وصيغة التنكير على ما عرف تدل على الكمال ، فالإنسان المقتول ما لم يكن كاملاً في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص . قال الشافعي رحمه الله : قد دللنا على أن المسلم إذا قتل الذمي لم يدخل تحت هذه الآية ، بدليل أن الذمي مشرك والمشرك يحل دمه ، إنما قلنا : إنه مشرك لقوله تعالى : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * ( النساء : 116 ) حكم بأن ما سوى الشرك مغفور في حق البعض ، فلو كان كفر اليهودي والنصراني شيئاً مغايراً للشرك لوجب أن يصير مغفوراً في حق بعض الناس بمقتضى هذه الآية ، فلما لم يصر مغفوراً في حق أحد دل على أن كفرهم شرك ، ولأنه تعالى قال : * ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) * ( البقرة : 73 ) فهذا التثليث الذي قال به هؤلاء ، إما أن يكون تثليثاً في الصفات وهو باطل ، لأن ذلك هو الحق وهو مذهب أهل السنة والجماعة فلا يمكن جعله تثليثاً للكفر ، وإما أن يكون تثليثاً في الذوات ، وذلك هو الحق ولا شك أن القائل به مشرك ، فثبت أن الذمي مشرك ، وإنما قلنا : إن المشرك يجب قتله لقوله تعالى : * ( اقتلوا المشركين ) * ( التوبة : 5 ) ومقتضى هذا الدليل إباحة دم الذمي فإن لم تثبت الإباحة فلا أقل من حصول شبهة الإباحة . وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت أنه ليس كاملاً في المظلومية فلم يندرج تحت قوله تعالى : * ( ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا ) * وأما الحر إذا قتل عبداً فهو داخل تحت هذه الآية إلا أنا بينا أن قوله : * ( كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ) * ( البقرة : 178 ) يدل على المنع من قتل الحر بالعبد من وجوه كثيرة وتلك الآية أخص من قوله : * ( ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا ) * والخاص